محمد السادس في باريس: عودة الشراكة الاستراتيجية

بعد ستة وعشرين عامًا من آخر زيارة دولة قام بها ملك المغرب إلى فرنسا، يستعد الملك المغربي للاستقبال في إليزيه في ظل توثيق عميق بين باريس ورباط. وراء البروتوكول، تُشكّل هذه اللحظة تجديدًا دبلوماسياً كبيراً بين جانبي البحر الأبيض المتوسط.

بأعداد غيزلين بادري
4 دقائق قراءة

استغرق الأمر عدة سنوات قبل أن يتخذ هذا التحرك شكله. في 20 مايو الماضي في الرباط، أعلن وزيرا الشؤون الخارجية الفرنسية والمغربية عن التحضير لزيارة دولة من جانب محمد السادس إلى فرنسا، إلى جانب توقيع معاهدة ثنائية جديدة. أحدث زيارة من هذا المستوى كانت في مارس 2000، بعد بضعة أشهر من تولي الملك المغربي العرش.

بعد فترة من التعافي التدريجي للعلاقات بين فرنسا والمغرب، جاءت هذه الزيارة التي طال انتظارها. وعلى الرغم من أن هذه الفترة لم تضيع بالضرورة، فقد مكنت العاصمةان من إعادة بناء علاقة ضعيفة بسبب سنوات من التوترات الدبلوماسية.

زمان التقارب

في الفترة بين عامي 2021 و2023، شهدت باريس والرباط فترة من التوتر لم تشهدها منذ عدة عقود. وتسببت قضية "بيغاسوس" التي نقلتها الصحافة الدولية على نطاق واسع في خلق مناخ من عدم الثقة بين الشريكين. وفي الوقت نفسه، أدى تخفيض عدد التأشيرات الممنوحة للمواطنين المغربيين إلى خلق قدر كبير من عدم الفهم في المغرب، مما ساهم في تبريد العلاقة الثنائية أكثر.

لقد تم التقارب تدريجياً عبر تبادلات دبلوماسية خفية، ومواصلة الاتصالات الوزارية، ورغبة مشتركة في استعادة الثقة. ولكن في فصل الصيف من عام 2024، حدث تحول سياسي رئيسي. وفي رسالة موجهة إلى الملك محمد السادس، أوضح إيمانويل ماكرون الموقف الفرنسي بشأن الصحراء الغربية، مؤكداً أن مستقبل الإقليم يندرج في إطار سيادة المغرب.

هذا الإجراء، الذي كان مطلوباً منذ فترة طويلة من جانب الرباط، يفتح مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين. بعد بضعة أسابيع، استقبل إيمانويل ماكرون في المغرب في شكل رسمي للغاية، بينما بدأ التحضير لزيارة ملك المغرب إلى فرنسا.

معاهدة مؤسسية

تتجاوز نطاق هذه المرحلة بشكل كبير المعنى الدبلوماسي. والهدف من المعاهدة الجارية بين باريس ورباط هو هيكلة العلاقة بين فرنسا والمغرب على مدى العقود القادمة. بالنسبة للمغرب، سيكون هذا أول معاهدة من هذا النوع تُبرم مع بلد أوروبي. بالنسبة لفرنسا، سيكون هذا أول اتفاق استراتيجي من هذا المستوى يُوقع مع شريك غير أوروبي.

تتضمن المناقشات قطاعات رئيسية: الدفاع والأمن والتحول نحو الطاقة والصناعة والقطاع الجوي والتعاون الاقتصادي. يجب أن تجتمع لجنة مشتركة رفيعة المستوى في الرباط لتحديد النقاط الرئيسية قبل الزيارة الملكية.

يعبر هذا التطور عن إرادة مشتركة للابتعاد عن العلاقة التقليدية التاريخية وبناء شراكة أكثر تركيزًا على التحديات الاستراتيجية المعاصرة.

إعادة تشكيل إقليمي

تندرج هذه العلاقة الفرنسية المغربية أيضًا في إطار إعادة تشكيل أوسع لمستويات التوازن الإقليمي في المغرب العربي وأفريقيا. من خلال توضيح موقفه بشأن الصحراء الغربية، أطلق باريس تحولًا دبلوماسيًا مهمًا في المنطقة، مما أثار ردود فعل انتقادية من الجانب الجزائري.

في الوقت نفسه، عزز المغرب بشكل كبير مكانته الاقتصادية والدبلوماسية في القارة الأفريقية، ليصبح لاعباً محورياً في التجارة بين أوروبا وغرب أفريقيا. بالنسبة لفرنسا، التي واجهت تراجعًا في نفوذها في الساحل في السنوات الأخيرة، يبدو أن الرباط الآن شريكًا أساسيًا في استراتيجيتها الأفريقية والشرق أوسطية.

الإنجازات الدبلوماسية لمدينة الرباط

بالنسبة للمملكة المغربية، فإن هذه الزيارة تندرج في إطار استراتيجية دبلوماسية تُدار باستمرار منذ عدة سنوات حول ملف الصحراء الغربية. بعد الولايات المتحدة، ثم إسبانيا وألمانيا، تمثل الدعم الفرنسي تقدماً دبلوماسياً هاماً لراكش في الساحة الدولية.

تُعزز إمكانية إبرام معاهدة استراتيجية مع أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة هذه الديناميكية. وفي هذا السياق، يبدو عودة الملك محمد السادس إلى صدارة الساحة الدبلوماسية الدولية بمثابة لحظة سياسية مهمة للمملكة.

رسالة موجهة إلى أوروبا

بالإضافة إلى العلاقة الثنائية، يرسل التقارب بين باريس والرباط رسالة أوسع أيضاً إلى الشركاء الأوروبيين. في الوقت الذي تضاعف فيه القوى الكبرى مبادرات النفوذ في القارة الأفريقية، تسعى فرنسا إلى إعادة تحديد وجودها الإقليمي من خلال شراكات أكثر تنظيماً وأكثر توازناً.

المغرب، الذي تستمر طموحاته الإفريقية في التعزيز، يبرز في هذا الإطار كجهة حاسمة.

ولذلك، فإن زيارة محمد السادس إلى باريس لن تشكل مجرد عودة لسلسلة دبلوماسية توقفت لعدة سنوات. بل قد تمثل انطلاقة لدورة استراتيجية جديدة بين البلدين، قائمة على مصالح متوافقة ورغبة مشتركة في إعادة تحديد شراكتهم في بيئة دولية متغيرة بشكل كامل.

قد يعجبك أيضًا

هل أنت متأكد من رغبتك في فتح هذا المنشور؟
فتح الباب الأيسر : 0
هل أنت متأكد من رغبتك في إلغاء الاشتراك؟