كانت البحر المتوسط دائمًا ما تلعب دورًا أكثر أهمية بكثير من مجرد حدود جغرافية. إنها تمثل محورا حقيقياً يربط بين ثلاث قارات – أوروبا وأفريقيا وآسيا – وهو مساحة طبيعية للتواصل، مفعمًا بالتجارة الثقافية والاقتصادية والبشرية العميقة. هذه البحيرة، التي تشكلت عبر تاريخ مشترك، تنطوي على إمكانات استراتيجية هائلة، لكنها ما زالت مستغلة إلى حد كبير. على الرغم من هذا الترابط الواضح والتقارب الجغرافي الواضح، لا تزال التعاون بين أوروبا والشرق الأوسط متجمدة جزئياً، معقودةً على خلافات قديمة ومنافسات تعرقل بناء تكامل إقليمي حقيقي.
تلتزم بلدان المغرب العربي منذ استقلالها ببناء علاقات متينة ودائمة مع أوروبا. هذه الرغبة في الشراكة مدفوعة بمصالح مشتركة، سواء في المجالات الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية. ومع ذلك، وبعد عدة عقود من محاولات التقارب، من الضروري ملاحظة أن المنطقة لا تزال متفرقة بشكل عميق. حلم الاتحاد العربي للمغرب، الذي يمثل رؤية للتكامل الإقليمي، ظل مشروعًا لم يكتمل، معلقًا بفعل الخلافات السياسية والمؤسسية والاقتصادية.
الاتحاد العربي للمهندسين في حالة من الإعياء
توضح الحالة الراهنة هذه الواقعة بشكل واضح. إن إغلاق الحدود بين المغرب والجزائر منذ عام 1994، مدعومًا بالمنافسة حول الصحراء الغربية، يشكل مثالًا صارخًا على كيفية استمرار التوترات التاريخية.
في عام 2020، أضافت تطبيع العلاقات بين الرباط وتل أبيب في إطار اتفاقات أبرشليم بعداً إضافياً إلى النزاعات الجيوسياسية القائمة بالفعل، مما زاد من تفاقم الانقسامات الإقليمية وأثار مخاوف في الجزائر. هذه الانقطاع الدبلوماسي هو رمز للصلات العميقة في داخل المغرب العربي، حيث تواجه التعاون الإقليمي معارضة قديمة وغياب حوار بناء بين الأطراف الرئيسية. المغرب والجزائر، رغم كونهما جارتان مباشرتان، يواجهان حالياً حالة من عدم الثقة المتبادلة، عززتها إغلاق الحدود والتوترات بشأن قضية الصحراء.
لا تقتصر هذه التوترات على العلاقات الثنائية بين بلدان المغرب العربي. إنها تتأثر بالعلاقات مع تونس وموريتانيا، اللتين، رغم أنهما لم تتأثران بشكل مباشر، فلا يمكنهما التخفيف من دينامية المنطقة المعقدة. تونس، التي اعتبرت لسنوات طويلة نموذجا للتحول الديمقراطي، تمر حاليا بمواجهات اقتصادية واجتماعية هامة تؤثر على علاقاتها مع جيرانها وكذلك مع أوروبا. تونس، على الرغم من موقعها الاستراتيجي بين المغرب والسافانا، لا تزال بلدا من الطرف الأقل في هذه الدينامية، في ظل توازن صعب بين شركائها الإقليميين والقوى الخارجية. يواجهها تحيزها من خلال مبادرات مثل ’مبادرة الأطلسي» التي أطلقتها المغرب، والتي تسعى إلى توسيع نفوذها في السافانا، وهو مشروع قد يضطر نوياكشوت إلى اتخاذ موقف.
إلى جانب التنافسات الداخلية، تشكل ليبيا تحدياً رئيسياً آخر للمنطقة. وقد أصبحت ليبيا، التي تعاني من حرب أهلية مدمرة وفوضى مؤسسية عميقة، أرضاً خصبة للاتجار بجميع أنواع السلع، بما في ذلك تدفقات الهجرة السرية التي تمر عبر هذا البلد للوصول إلى أوروبا. وتُعد هذه الحالة بمثابة مصدر قلق أمني للاتحاد الأوروبي، الذي يواجه صعوبة في وضع استراتيجية متماسكة لتحقيق الاستقرار. ولم تكن التدخلات الأوروبية، التي كانت غالباً متفرقة وموجّهة نحو تحقيق أهداف قصيرة الأمد، قادرة على استعادة توازن سياسي دائم، ويبدو أن إعادة بناء ليبيا لا تزال بعيدة المنال، لا سيما بسبب تضارب المصالح بين القوى الأوروبية، مثل فرنسا وإيطاليا، اللتان تدعمان فصائل متعارضة على التوالي.
لم تتمكن الاتحاد الأوروبي من التواجد كلاعب مستقر
في هذا السياق الصعب، لم تتمكن الاتحاد الأوروبي، رغم امتلاكه لموارد اقتصادية ودبلوماسية كبيرة، من أن تصبح فاعلاً استقرارياً على المستوى الإقليمي. فمن خلال التركيز على العلاقات الثنائية، التي غالباً ما تكون موجهة من قبل احتياجات اقتصادية فورية، تجاهلت الاتحاد الأوروبي وضع استراتيجية متعددة الأطراف تهدف إلى تعزيز الروابط بين بلدان المغرب العربي الخمسة. وهذا قد حد من فعالية مبادراته، في الوقت الذي بات فيه تزايد الحاجة إلى تعاون متجدد أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. هذا النهج المجزأ يمنع أوروبا من لعب دور محفّز حقاً ويمنعها من الاستجابة لنداء التكامل الأوروبي المغاربي.
تعزيز التعاون سيكون مفيداً لجميع الأطراف
ومع ذلك، فإن فوائد التعاون المتزايد كبيرة. بالنسبة لأوروبا، فإن إقامة شراكة استراتيجية مع بلدان المغرب العربي ستضمن الوصول الآمن إلى موارد الطاقة الحيوية، لا سيما في ظل تزايد الاعتماد على الطاقة المتجددة وتنويع الطاقة.
ستستفيد أوروبا من المزايا التي تتمتع بها منطقة المغرب العربي الغنية بالغاز الطبيعي والموارد المعدنية، والتي تشكل بديلاً قيّماً للمصادر التقليدية للطاقة. وعلاوة على ذلك، توفر المنطقة عمالة شابة ومؤهلة، وهي ميزة كبيرة للاستجابة لاحتياجات أوروبا المتزايدة من الموظفين المؤهلين، في الوقت الذي تساهم فيه في معالجة تحدياتها السكانية ونقص الموارد في بعض القطاعات الرئيسية.
من جانبها، ستستفيد بلدان المغرب العربي بشكل كبير من هذا التعاون. وسيمكن الدعم الذي تقدمه الاتحاد الأوروبي في إطار الهجرة الدائرية العمال المغاربة من الاستفادة من فرص مهنية في أوروبا، مع تطوير مهارات جديدة ومساهمة في اقتصاداتهم المحلية من خلال تحويلات الأموال والتكنولوجيات. وسيؤدي تطوير البنى التحتية المحلية والاستثمارات الأوروبية في مشاريع واسعة النطاق إلى تعزيز النمو، وتقليص معدلات البطالة، وتعزيز التكامل الأفضل للبلدان المغاربية في السوق العالمية.
في الوقت نفسه، تعد التعليم والبحث والتدريب المهني مجالات يمكن أن يكون فيها للاتحاد الأوروبي تأثير مباشر وبارز. من خلال تطوير الشراكات الأكاديمية، وتيسير التبادلات الأكاديمية، ودعم مبادرات التدريب المهني التي تتلاءم مع احتياجات الأسواق المحلية، سيساهم الاتحاد الأوروبي في إعداد جيل جديد من المغاربة جاهزًا للاستجابة للتحديات التي تطرحها اقتصاد عالمي. ويشكل هذا رأس المال البشري محركًا حقيقيًا للنمو للمنطقة، التي تتمتع بمجتمع شبابي ديناميكي طموح.
هناك حاجة إلى نهج مختلف
لكن لكي يصبح هذا الشراكة واقعاً، يجب على أوروبا تبني نهج أكثر استباقية وتمايزاً، مع مراعاة خصوصيات كل بلد من بلدان المغرب العربي. على سبيل المثال، تتطلب التحول الطاقي في الجزائر، والابتكار الرقمي في المغرب، والتنمية الزراعية في تونس حلولاً تتكيف مع الواقع المحلي. قد يكون التعاون القطاعي المحدد والملموس نقطة انطلاق لدينامية إقليمية جديدة. من خلال العمل بطريقة أكثر استهدافاً وتنسيقاً، يمكن أن تصبح أوروبا شريكاً لا غنى عنه للمغرب.
التقدم إلى الأمام
إن التاريخ يُعلِّمنا أن وجهات النظر الجغرافية السياسية لا تُثبِت أبداً. ما بدا غير ممكن أمس قد يصبح واقعاً غدًا. من كان قد يتخيل، في خضم الحرب الباردة، أن بلدان مثل تشاوشسكو أو ألمانيا الشرقية في عهد إريش هونيكر ستُضمّنان الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي؟ إن التكامل الأوروبي العربي، بعيداً عن كونه أملاً بعيد المنال، يجب أن يُنظر إليه باعتباره طموحاً استراتيجيًا مشروعاً، مدفوعًا برغبة مشتركة من شعوب الأمم.
با تعاوننا، لدينا القدرة على تحويل البحر الأبيض المتوسط إلى منطقة من الاستقرار والازدهار المشترك والإشعاع الدولي. من خلال رؤية مشتركة وجهود مشتركة، يمكن للبحر الأبيض المتوسط أن يجسد أخيرًا نموذجًا للتعاون الناجح بين جارتين مرتبطين بتاريخهما وجغرافيتهم ومستقبلهم.